السيد علي الموسوي القزويني

505

ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام

التجارة بحقّ واستحقاق شرعي إلّا من جهة إفادتها ملكيّة هذه الأموال . ولو قدّرنا خلاف الحقّ في معنى الباطل باعتبار مجرّد الحرمة ، بتقدير أن يكون المراد منه المعاملات المحرّمة الّتي منع عنها الشارع - كالأمثلة المتقدّمة الواردة في الرواية - لكفى عدم كون التجارة عن تراض من الباطل بهذا المعنى في إثبات الدلالة على الصحّة من جهة الاستثناء ، لأنّ التجارة عن تراضٍ بمفهومها العرفي عبارة عن الاكتساب على وجه التمليك والتملّك ، ورفع توهّم المنع عنها على هذا الوجه بحسب متفاهم العرف في معنى إمضاء الشارع لها وترخيصه فيها على هذا الوجه ، فلولا كونها مفيدة للملك لم يصدق الإمضاء والترخيص على هذا الوجه . هذا كلّه على تقدير الاستثناء منقطعاً . وأمّا تقديره متّصلًا فلا وجه يصحّحه إلّا جعل الباطل كناية عن مطلق الجهات أو المعاملات معرّاة عن وصف البطلان ، بتجريد المشتقّ عن معنى المبدأ واتّصاف الذات به ليدخل التجارة عن تراضٍ في جملة آحادها ، كما قد يتكلّف ويقال : إنّما أوتي بتلك العبارة رعاية لكمال البلاغة مع أداء المقصود بإعطاء حكمي التكليفي والوضعي من حرمة الأكل وبطلان ما سوى التجارة عن تراض بأخصر العبارات ، فكأنّه أتى بكلامين استثنائيّين مثل أن يقال : لا تأكلوا أموالكم بجهة من الجهات إلّا أن تكون الجهة تجارة عن تراضٍ ، لأنّ كلّ جهة باطلة إلّا التجارة عن تراضٍ ، وكان ذلك إعطاء للحكم ببيّنة وبرهان . ونظير ذلك في كلام البلغاء كثير ألا ترى أنّه يقال في العرف : « لا تكرم الفسّاق إلّا عالم البلد » بجعل الفسّاق كناية عن أهل البلد ويراد به استثناء العالم من وصف الفسق الموجب لعدم شمول النهي له ، فكأنّه قيل لا تكرم أهل البلد إلّا العالم لأنّ كلّهم فسّاق إلّا العالم . وهذا التأويل في الآية بالنظر إلى قواعد الألفاظ كما ترى تكلّف ركيك ومجاز بعيد لا يصار إليه إلّا القرينة واضحة ، ومجرّد أصالة الحقيقة في أداة الاستثناء لا تصلح لها لكونها معارضة بمثلها في المشتقّ مع كونها أولى بالطرح ، فإنّ انقطاع الاستثناء وإن كان مجازاً إلّا أنّه مجاز شائع يكثر دورانه في الاستعمالات العرفيّة ، بخلاف تجريد المشتقّ عن وصف المبدأ وجعله للذات البحت المعرّاة عن الاتّصاف بمبدإ الاشتقاق فإنّه مجاز بعيد بل في غاية البعد لندرة وروده في الكلام ، ومن المحقّق أنّ أقرب